كان حنين نفاق: اندلعت الحرب في الجزائر معهما، تواصلت أمام أعينهما. لم تؤثّر فيهما إلا قليلاً؛ كانا يقومان بشيء ما أحياناً، لكنّهما عموماً كانا غير مُضطَرَّيْن إلى فعل ذلك. طالما اعتبرا أنّ حياتهما ومُستقبلهما ومفاهيمهما ستختَلّ. كان هذا صحيحاً نسبيّاً فيما مضى: كانا في سنوات الجامعة يتصرّفان بتلقائيّة أكبر، بل أحياناً بحماس كبير، فيحضران الاجتماعات ويشاركان في التظاهرات التي وسمت بداية الحرب، نداء المُحافظين، وخصوصاً، انتشار أفكار «ديغول». وفوراً نشأت علاقة بين التحرّك، رغم أنّه كان محدوداً، وبين الأمر الذي تمّ لأجله. ولا يمكن بحال مؤاخذتهما على ارتكاب الأخطاء في تلك الفترة: استمرّت الحرب، وتركّزت أفكار «ديغول»، وانقطع جيروم وسيلفي عن الدّراسة.
بعد إعداد المخطوطة من جديد، قدمتها إلى وزارة الثقافة والإعلام في بغداد، فطبع في 1971 طباعة أنيقة جداً ضمن سلسلة الكتب الفنية. ولقي الكتاب إهتمام المثقفين من القراء بصفة خاصة، لا سيما من لديهم خلفية رياضية، بعضهم اتصل بي وأعرب عن إنذهاله بالكتاب، وأنا أعترف بأن مثل هذا الكتاب يمكن أن يغني مؤلفه لو طبع في الغرب.
كتاب (الإعلام قيم ومبادئ إستراتيجية وآليات تطوير إعلام معاصر في كردستان)، لمؤلفه الدكتور شيرزاد قاضي، إذ انه في هذا الكتاب حاول توضيح دور الإعلام في إقامة مجتمع مدني حر في كردستان، ضمن التطورات التي يشهدها الإقليم والعراق ومنطقة الشرق الأوسط. ويتناول الكتاب القيم والمبادئ التي تحكم مهنة الصحافة، ونظرة الناس إليها، والسبل الكفيلة بتطوير مشاعر الثقة بالإعلاميين، وسبل رفع الوعي الإعلامي، ونزوح الصحافة ليس نحو قيود الرقابة فحسب، بل التحول إلى رقيب للتطور الديمقراطي.
تحمل قصائد سنية صالح على كفيها رؤيا تفور بالعناصر الكونية التي تتحد بشقاء الإنسان، ففي قصيدة «القرينة» يؤنسن خيال الشاعرة الأرض، وكأنها امرأة معشوقة لها أطفال يجرون خلفها وأمامها كثوار، طغاة، سجناء، أحرار، أو يتحدون في كيانها مثل أجنّة. كل هذا في خيال بريء وغاضب في الوقت نفسه. لغتها برية، عفوية قادمة من عالم قاسٍ ومسحوق، لا يعرف الجمال، النزهة، العطور، الفتنة، والمتعة. عالمها يثير الاضطراب والقلق في النفس، لكنه بالوقت نفسه لا يندب ولا يستجدي، فيه يتحول المعقول إلى اللامعقول، واللامعقول إلى المعقول، فالشعر عندها يحول العالم، وكأنه سيمياء العالم، الذي يتجاوز المأساة ثائراً على الألم.
(فروغ فرخزاد)، بدأت في سنّ مبكّرة كتابة الشعر الغنائيّ بمواضيع رئيسة كشكوى بين المحبّين أو معاناة امرأة شرقيّة تناجي الرجل الذاهب، الظالم، اللامبالي، وردّاً على ما قيل عن النوع الأوّل الذي كتبته قالت: «إنّ الكلمات حتّى وإن كانت أدوات الشاعر ليست مهمّة بقدر المحتوى وإن تكن المفردات مكرّرة إلا أنّها فوران عشق كان مؤثّراً بالنسبة لي في تلك الحقبة»، (فروغ) لم تكن مع مصطلح الشعر الحديث والقديم بل الشعر هو ذاته في كلّ العصور، لكنّه يختلف من جيل إلى آخر والفرق - فقط - في المسافات الماديّة بين العصور، فالشاعر الذكيّ يجب أن يواكب عصره ويتّخذ معاناة الفترة التي يعاصرها مصدر إلهام لإبراز طاقته على كشف الحقائق المختبئة وإشهار الظلم والزيف، كما تعتقد أنّ فعل الفنّ هو بيان لإعادة ترتيب الحياة، والحياة لها ماهيّة التغيّر والتوسّع والنموّ، بالنتيجة البيان أو الفنّ في كلّ فترة له روح خاصّة به وإن كان عكس ذلك فهو مزيّف ومقلَّد. تقول الشاعرة: «إنّ عالمي – مثلاً – يختلف – تماماً – عن عالم (حافظ الشيرازيّ) أو (سعدي) حتّى يختلف عن عالم أبي، طريقة تلقي الشاعر والقارئ في فهم مفاهيم عدّة كالعشق والشجاعة والمعتقدات تختلف عن الأمس»، وتذكر مثالاً عن (مجنون) في الأدب: «إنّ مجنون هو أيقونة للعشق وفداء المحبوب في قصائد العصور الماضية»، اليوم – على حدّ رأيها – تغيّرت هذه الرؤية، فبتحليل الأطبّاء النفسيّين شخص (مجنون) مريض يحبّ أن يكون تحت سيطرة معاناة دائمة خاضعاً للعذاب غير ساعٍ للحريّة.
يعتبر محمد الماغوط من أبرز الثوار الذين حرروا الشعر من عبودية الشكل. دخل ساحة العراك حاملاً في مخيلته ودفاتره الأنيقة بوادر قصيدة النثر كشكل مبتكر وجديد وحركة رافدة كحركة الشعر الحديث. كانت الرياح تهب حارة في ساحة الصراع، والصحف غارقة بدموع الباكين على مصير الشعر حين نشر قلوعه البيضاء الخفاقة فوق أعلى الصواري. وقد لعبت بدائيته دوراً هاماً في خلق هذا النوع من الشعر؛ إذ أن موهبته التي لعبت دورها بأصالة وحرية كانت في منجاة من حضانة التراث وزجره التربوي. وهكذا نجت عفويته من التحجر والجمود، وكان ذلك فضيلة من الفضائل النادرة في هذا العصر.
منذ سنوات يشجعني بعض الأصدقاء على ضرورة أن تكون أعمالي الشعرية مطبوعة كي تتوفر للمتابعين والمهتمين بغض النظر عن اختلاف رؤاهم ودوافعهم وحساسياتهم الجمالية والفكرية أو ندرة اكتراثهم بالشعر. كان جوابي دائما، بإيماءة إيجابية خجولة دفعا للإحراج، لكن أعماقي ترد بعكس ذلك، فمرة بالتملص وأخرى بخلق الأعذار من قبيل، أن الوقت غير مناسب أو أن تجربتي تحتاج إلى مزيد من الإضافات الجديدة وبعدها سنفكر في الموضوع. كل عمل فني حقيقي لن ينتهي مطلقا حتى لو رحل صاحبه، لأنه سيجد قناة أو أكثر للتواصل من خلالها حتى لو خضع لزحمة الأحداث المتشابكة التي لا ترحم. بيد أن حذري من وضع تجربتي الشعرية على المحك هو السبب الأساس على ما يبدو لترددي. لا أريد أن أسجن مسيرتي داخل إطار «الأعمال الشعرية» المطبوعة. كل شيء مفتوح على كافة الاحتمالات.